, ,

إيران وإسرائيل_ حرب الخواصر

العام 2011 ومع نشوب التظاهرات في سورية، مطالبة بإصلاحات سياسية وإقتصادية، لتتحول فيما بعد إلى أعمال شغب ومطالبات بإسقاط النظام السوري، ومنطلقاً لتنفيذ أجندات دولية، ما أدى إلى القيام بأعمال عنف ومعارك طاحنة، استمرت لسنوات، ومع ظهور التدخلات الخارجية المؤيدة لما سمي بالمعارضة السورية، لتصبح خيوط اللعبة بيد جهات إقليمة ودولية، بدأت هذه الجهات الخارجية ترسل أعداداً كبيرة ومتزايدة من المقاتلين المدربين المدججين بأنواع السلاح الخفيف والثقيل، إضافة إلى الدعم اللوجستي والاستخباراتي، في سعي منها لفرض إسقاط النظام السوري بالقوة، لصالح المعارضة التي لم تتوانى عن استعدادها وقبولها علناً التعاون مع “إسرائيل” في سبيل الإطاحة بالنظام الحاكم في سورية، بحجج وذرائع متعددة، طائفية تارة وسياسية تارة أخرى، وفي المقابل لم تتوانى إسرائيل عن تقديم الدعم المادي والمعنوي للفصائل المسلحة المقاتلة في سورية، حيث قدّمت لها السلاح والعتاد والذخائر، إضافة إلى التجهيزات الحربية المتطورة، كما زجّت إسرائيل العديد من ضباطها وعناصرها لمساندة تلك الفصائل ودعمها من الجهة الجنوبية للجغرافية السورية.
وفي الجهة المقابلة انخرطت المقاومة الإسلامية اللبنانية “حزب الله” المدعومة إيرانياً _ ولو متأخرة نوعاً ما _ في الصراع المحتدم في سوريا، ومع تواتر الأحداث المتسارعة، هذه الأحداث التي أصابت الداخل السوري والخارج الإقليمي بالدهشة جراء سرعة توسع جبهات القتال واشتعال أتون الحرب، وسيطرة الفصائل المسلحة المدعومة عربيا ومن دول الخليج خاصة، إضافة إلى دعم أكثر من ثمانين دولة بشكل رسمي وغير رسمي، سيطرتها على مساحات واسعة من مساحة الأرض السورية، ليميل ميزان الحرب لصالح تلك الفصائل، وترتفع أعلام جبهة النصرة وداعش لاحقا ومثيلاتهما على العديد من المدن السورية.
عندها لم تجد إيران مفراً من المواجهة المباشرة والانخراط في الحرب الدائرة في الدولة الحليفة لها منذ عقود، فسرعان ما أرسلت ضباطها من الحرس الثوري الإيراني، وخبراءها العسكريين، لتعمل في الميدان جنباً إلى جنب مع الجيش العربي السوري، وفصائل المقاومة الإسلامية اللبنانية، وباقي الفصائل المؤيدة للنظام السوري (العراق، أفغانستان..) ما أدى إلى الحدّ من ظاهرة انتشار المجموعات والفصائل المسلحة التي تعاظمت قوتها بشكل ملحوظ، جراء الدعم العالمي الواسع لها، حتى أصبح عديدها وما تملكه من قوة وأسلحة خفيفة وثقيلة يضاهي ما يمتلكه الجيش السوري.
من جهته منح النظام السوري حليفه الإيراني مزايا غير مسبوقة، وأعطاه الحرية بالعمل بعد التنسيق معه على كامل التراب السوري، فصار الإيراني يقوم بعملياته العسكرية ضدّ المجموعات المسلحة في معظم الجغرافية السورية، من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب.
وهنا مكمن المشكلة، التي أشعلت غضب الكيان الصهيوني، إذ تقبع إسرائيل بكيانها الغاصب نحو الجنوب السوري، وهذا ما لم يرق للقادة الصهاينة، ولم يهدأ لهم بال، فأصبح هاجس الدولة العبرية الكبير، تواجد القوات الإيرانية بمحاذاة الحدود، ما يعطي الإيرانيين سيطرة نارية مباشرة على الداخل الإسرائيلي، كما يشكل رادعاً مباشرة عند الاعتداءات الصهيونية على سوريا، وما يحمله هذا التواجد من تهديد تاريخي على أمن إسرائيل ووجودها، إضافة إلى الخطر السياسي المحدق بها جراء هذا التواجد الإيراني العسكري في هذه المنطقة الحدودية.
إلى هنا اتخذ العداء بين الندين منحى أكثر خطورة، حيث لم يصل التماس بين العدوين إلى هذا المستوى سابقا، وأصبح التواجد الإيراني على الحدود الإسرائيلية على رأس أولويات القادة الصهاينة خاصة في المحافل الدولية، حيث انهمكت أجهزة النظام الإسرائيلي كافة للتوصل إلى مخرج من هذا المأزق التاريخي، الذي أوصل ألدّ أعدائها لمواجهتها وجهاً لوجه، فكانت خطة الكيان الغاصب تتكون من محورين أملاً بإيجاد معادلة جديدة تُبعد عنه شبح الخطر الإيراني.
●المحور الأول: السياسة، وذلك عبر إقناع الروسي حليف النظام السوري القوي صاحب القدرة الضاغطة، بإبرام اتفاقيات مع الإسرائيلين تفضي إلى إبعاد القوات الإيرانية 80 كيلومتراً عن الحدود السورية الجنوبية مع فلسطين المحتلة وهضبة الجولان.
●المحور الثاني: الميدان
1- حيث قام الجيش الإسرائيلي بتسهيل دخول الفصائل المسلحة التي أعلنت استعدادها للتعاون معه لإسقاط النظام السوري إلى المناطق الحدودية مع فلسطين المحتلة والجولان، حيث قام بدعمهم بشكل مباشر وفتح لهم بواباته واستقبل جرحاهم في المستشفيات الإسرائيلية، لتشكل هذه المجموعات منطقة عازلة، يتعذر على القوات الإيرانية اختراقها.
2- وجد الإسرائيليون ضالّهم في رغبة إقليم كردستان العراق بالإنفصال وإعلان دولة كردية مستقلة، ولهذا الإقليم حدود مباشرة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فظهر على سطح العلاقات الدولية السعي الإسرائيلي الحثيث للتقارب مع زعماء الكرد ودعمهم سياسياً ولوجستياً وإقتصادياً، وإغراؤهم بالاعتراف بالدولة الكردية المستقلة المزمع إعلانها، وتقديم كافة المساعدات لهذه الدولة الفتية على نطاق واسع، وذلك لضمان الوجود الإسرائيلي السياسي والاقتصادي راهناً، والعسكري لاحقاً، لتكون خنجراً في الخاصرة الإيرانية، وبذلك تكون المعادلة التي ينشدها الإسرائيليون قد تحققت، فالإيراني يتواجد على حدود الكيان الصهيوني، وبالمقابل يشكل الوجود الإسرائيلي بأشكاله خاصرة رخوة على الحدود الغربية الإيرانية.
ولكن الرياح لم تأت بما تشتهي السفن الإسرائيلية، بل إنها في الواقع قامت بتعرية الكيان الصهيوني، وكشفت خوف وقلق قادة الإحتلال الإسرائيلي وتسرعهم في دعم قيام دولة ولدت ميتة أصلاً، فإغلاق المجال الجوي، وإغلاق الحدود البرية المحيطة بإقليم كردستان كان كفيلاً بوأد فكرة إعلان الدولة الكردية، ولن تفلح الجهود الدبلوماسية والميدانية الإسرائيلية في كسر المعادلة ليبقى التواجد الإيراني هو سيد الموقف، وهو المسيطر على المشهد السياسي والميداني.
من هنا نستطيع إدراك الهيستيريا الاسرائيلية في ضرب ما تستطيع من المصالح العسكرية الإيرانية في سورية كلما سنحت لها الفرصة.
خلاصة القول: إسرائيل المغتصبة اليوم في مأزق كبير، وهي في مرمى نيران الصواريخ الإيرانية، أربع وعشرين ساعة على أربع وعشرين ساعة.
الكاتب والإعلامي محمد شاكر نظام

0 الردود

اترك رد

هل تريد الانضمام إلى المناقشة؟
لا تتردد في المساهمة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.