, ,

كنت في ايران (٦)

 حديقة الماء والنار

ليلى صعب

نسمات الليل الشتوي القارس التي سكنت عظامنا بعد يوم حافل بالاحداث ،والتعب البادي علينا لكثرة المشي ، لم يفلحا في ثنينا عن العزم على زيارة الحديقة وجسر الطبيعة ، واللتين اجمع كل من زار طهران على جمالها الاخاذ .

عند أحد مداخل حديقة الماء والنار وهي الحديقة التي تقع على يمين جسر الطبيعة ،تبخر البرد والتعب وانتقلت حرارة الازهار الحمراء التي تزين المكان فذابت في اوصالنا ، وبعضنا قد تجاوزن الخامسة والعشرين (وهو العمر الافتراضي الأقصى الذي يمكن للمرأة ان تعترف به ..عادة !!)

في طهران عشرات الحدائق والمنتزهات ،تحتل مساحات واسعة ، ومواقع هامة ، ولكل منها فعالياتها المختلفة وتصاميمها ، ولكن لحديقة الماء والنار خاصية فريدة اولا بموقعها وسط طهران واطلالتها المميزة وجسر الطبيعة الأخاذ الذي يربط بينها وبين حديقة طالقاني لمسافة 300 متر تقريبا والذي اصبح من أهم المعالم السياحية والجمالية على قائمة اولويات الزائر .

هنا تشهد بأم العين التوظيف الجميل والأنيق لمضامين القرآن الكريم حيث صممت ونفذت مقتبسة مما جاء فيه عن قصة النبي ابراهيم عليه السلام يوم أراد النمرود احراقه بالنار ،فأنجاه الله بالمطر .

مساحة المتنزه 2400 متر فيه مجموعة من الأعمدة القريبة من بعضها تطلق ليلا ًنيراناً ولهباً بطريقة مثيرة وجذابة جداً.

وبعد أن تشتعل النيران في الأعمدة أكثر من مرةلقرابة الستة أمتار فوق الأبراج ،يندفع الماء فجأة في رقعةكبيرة دائرية الشكل تشبه النافورة ،يقفز فوقها الزائرون فيبعث هذا التمازج بين الماء والنار متعة رهيبة ،وينقسم الزوار بين مشارك ومتفرج على مدرج قريب يتسع لحوالي 400 شخص .

في متابعة التجول في الحديقة ادهشني وجود المنحوتات والتماثيل المختلفة وبأحجام متفاوته وبعضها ضخمة ،رخامية بديعة ، ذات دلالات جمالية ومعان للفروسية والبطولة ،تجمع بين التراث والحداثة ، وهنا يقفز الى بالي منظر استفز روحي ، يوم اجتاحت قطعان داعش تدمر وغيرها من المواقع الاثرية في سورية والعراق ، فدمرتها وجزت رؤوسها متذرعة بالدين والقرآن ،ولم يسلم من قطع الرأس المتنبي والمعري والنووي وابو نواس كل ذلك بحجة انها تشخيص وأصنام بينما هنا تعتبر الثورة الوسائل الفنية أبلغ الوسائل التبليغية وأكثرها فاعلية ، معتبرة أن الشعر والرسم وسائر صنوف الفن تؤثر تأثيراً غير مباشر وهو أبلغ أنواع التأثير ، حالة الممازجة والتكيف بين الإرث الحضاري الفارسي مع التطور والاخذ بالاتجاهات الحديثة في الفن تخلق حالة ابداعية فريدة وعريقة وتستحق الوقوف عندها .

تشتمل الحديقة على فعاليات كثيرة ، اجهزة رياضية ومسالك للتزلج بالعجلات قبة سينمائية تحاكي الأفلاك ، ومقاه وكل ما يجعل النزهة متعة ورفاهية للأسرة.

إلا أن المشهد الأجمل والأكثر ادهاشاً هو اللوحات الصورية الحديدية المجسمة، والتي تستخدم خامة الحديد وتقنية الحفر حينأً والتشكيل حيناً اخر ترسم مشاهد قصة ابراهيم عليه السلام بشكل فني أخاذ ،قريبة للعين والقلب …هنا تتعلم القرآن وقصص الأنبياء بالفن الراقي وليس بالرعب والتخويف بنار جهنم ولا باسواط المطوع وهيئة الأمر بالمعروف .

مشاهد كأنها لوحات مسرحية ، تحكي الحكاية .

تابعنا المسير ونحن نشاهد الزوار يملؤون المكان ،ولا تستغرب اذا رأيت صبية جميلة وشاب يسيران رفقة ، او يفترشان العشب ويجمعهما حديث شائق .

يبدو أني سأترك الحديث عن الجسر وحديقة طالقاني للحلقة القادمة ، وسأترك القاريء يقاسمني جرعة عالية من الاوكسجين ،في جو من الجمال والرقي والابداع ….

0 الردود

اترك رد

هل تريد الانضمام إلى المناقشة؟
لا تتردد في المساهمة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.