, ,

كنت في طهران (٨)

أما الأسواق الشعبية والتقليدية فتستهويني جدا ، خصص المشرفون علينا اربع ساعات للتسوق ، فأحسست بأنه وقت طويل جداً، كان السوق يقع في شمالي طهران ،والشارع المؤدي اليه مزين بأشجار الدلب الباسقة ،والمباني الانيقة والاضواء ، غادرنا الباص لنجد انفسنا أمام مقام الامام موسى الكاظم عليه السلام وهو بناء غاية في الجمال والهندسة المعمارية الاسلامية ذات النقوش والزخارف .

انقسمنا الى مجموعتين مع كل منا مترجم ، واتفقنا على الالتقاء بعد انقضاء الوقت ، أحسست بهامش من الحرية وأحببت الانفراد والتجول وحيدة بمعزل عن المجموعة ، وذلك لأن هدفي من زيارة المكان وهو سوق (تجريش ) الشعبي والذي كنت قد شاهدت بعضا من مشاهده في صور حول احياء مراسم عاشوراء ، هدفي اكثر من الشراء ،هنا تشاهد الناس على طبيعتهم ، اذا كان كل من شاهدناه من الاخوة والاخوات حتى الان هم اشخاص رسميون ، يمارسون بشكل او بآخر بوتوكولا للضيافة والاستقبال،فهنا البيئة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية تشف عن رؤى حقيقية . المكان عبارة عن مجمع كبير للمتاجر والتي تختلف بطرازها عن الاسواق الحديثة الطراز التي مررنا بها قي قلب المدينة ، هنا الطابع الشعبي والارث الفني واضح، الاسواق عبارت عن زقاقات تتفرع وتلتف فيها كل شيء تقريبا من الخضار والفاكهة وحتى السجاد الفاخر ،محلات الشرقيات وخزف القيشاني الجميل والنحاسيات، محلات الاحجار الكريمة وايران مشهورة بانتاجها من عقيق وزبرجد وغيره ومعظمه مطعم بالفضة ،توقفت عند باعة الحلويات التقليدية مثل الغز والسوهان لاشاهد مراحل الصنع والمواد الاولية ،وقد حملت منها كميات لاسرتي ،وحتى اكثف ملاحظاتي ولا تضيعون كما ضعت انا في تأمل الجمال والتنوع ساحدد ملاحظاتي كالتالي :

1_ النظافة صفة واضحة ظاهرة مع كثرة المرتادين ،ووجود الخضار والاطعمة وغيرها ،وهذا يدل على وعي وتمثل لمفاهيم المواطنة من قبل الافراد اكثر مما هو اهتمام رسمي .

2_عدد كبير من المحلات يبيع البهارات والتوابل وخلطات الطب الشعبي وهذا يضفي على الجو روائحا عطرة تمتزج برطوبة المساء ، وبعضه خاص بايران، والمحلات الأهم والاكبر هي محلات بيع الزعفران هذه المادة التي طارت شهرتها الى الافاق وتنتج ايران افخر انواعه عالميا ،ويباع بالغرام الذي يكاد ان يساوي الذهب والفضة ،ويستعمله الايرانيون في كل شيء الطعام والحلوى والحساء والمشروبات واعتقد أنه أحد اسباب نضارة البشرة لدى المرأة الايرانية ونقائها.

3_ تنشر محلات انيقة وفاخرة لبيع المكسرات والفستق الحلبي وفستق العبيد بانواع لاتحصى جنبا الى جنب مع انواع الزبيب المتعددة والفاكهة المجففة والمربيات بكل انواعها.

4_الجولة في السوق اعطتني فكرة واضحة حول نظام صحي صحيح يعتمد كثيرا على الخضروات وتحتل مكانا مرموقا على السفرة ،وكذلك الاعتماد على الانتاج المحلي من المجففات الخالية من السكر والتمور بالاضافة الى الزهورات والليمون المجفف المعد للغلي وحبات الرمان الحامض وكلها اصناف تدل على فلاح نشيط ونساء منتجات .

5_ المرأة حاضرة في السوق بائعة ومنتجة تنادي على بضاعتها ،ومتسوقة مع ابنتها او صديقاتها انيقة جميلة وحتى الشال الذي تضعه الصبايا يضفي من السحر والجمال الكثير ،وتقطع بعض السيدات العائدات من الوظائف السوق تحمل حاسوبا واوراقها بيد وحاجات المنزل باليد الاخرى .

6_مسحة من الحزن تعلو وجوه الناس ، وطابع من الجدية ،يبرر ما يقال عن الشعب الايراني انه يعيش في الماضي ويخطط للمستقبل ولكنه لا يستمتع بالحاضر ، وربما ما مر في حياة البلد من آلام ترك وسمه على جبين اهلها .

7_ليست الحركة الشرائية على ما يرام وخاصة بعد الحزمة الأخيرة من العقوبات الاقتصادية التي استهدفت الشعب وقوت الناس ،وانعكست قلقا على وجوه الباعة رغم وفرة المنتجات الا ان الاحتكار والاستغلال موجود في كل مكان بالدنيا ،وقد اكد لي الكثير منهم أن الاسعار تضاعفت خلال الشهرين الأخيرين .

8_اللطافة واللباقة صفة غالبة على كل من سألته او اشتريت منه او سألته عن الطريق وانا استعمل بضع كلمات فارسية بقيت من ايام الدراسة الجامعية مع لغة عربية معظمهم يفهمونها ولا يتحدثونها مع انكليزية متوسطة خلطة تفضي الى التفاهم اخيرا .

9_الشارع مهذب وليس فقط محافظ بحيث لم تتعرض اي منا الى اي ازعاج او مضايقة من اي نوع . بكل حال مر الوقت وحملت الذاكرة الكثير ،كما كونت فكرة عن الاسرة والمجتمع من خلال هذه الجولة ولا يفوتني ان اقول ان اللون الاحمر يغلب على السوق وخاصة اننا كنا بعد عيد يلدا الذي هو ولادة الشمس وبداية فصل الشتاء بايام قليلة وفيه يكون الرمان والبطيخ من اساسيات سفرة العيد .

قفلت راجعة وعربات الفول النابت والشوندر الاحمر المسلوق الدافئة وباعة الذرة المشوية تزين طريقي بانوارها وبضاعتها اللذيذة الانيقة فتضفي دفئا خفيفا بعد ان اطبق الليل ببرده علينا …التقيت صديقاتي وخيل لي ان البعض منهن حملت السوق كله ، كنت اشفق على السادة الذين رافقونا وتحملوا اكثر من ثلاثين سيدة تتسوق وهي مهمة يهرب منها الازواج غالبا ،وأعتقد انهما كفرا عن ذنوب كثيرة بهذه الامسية االلطيفة المفيدة، والتي شعرت خلالها بقرب اكثر من هذا المجتمع الذي يشبهنا بكثير من الصفات وربما يبزنا بميزات اخرى .

اما المفاجأة فهو المكان الذي سنزوره بعد السوق والاشخاص الذين سنلتقيهم ليلا،وهو ما سأحدثكم عنه في المرة القادمة .

ملاحظة هامة : حاولت بعد عودتي ان استزيد بعض المعلومات عن السوق من الانترنت ، ففوجئت بان المحتوى الالكتروني ايضا لايذكر السوق الا فيما ندر فيما عدا مقالات طويلة عن امتعاض التجار وتأثير العقوبات ،جزء من التضليل الذي يطال ايران اقتصاديا كما في كل المجالات.

0 الردود

اترك رد

هل تريد الانضمام إلى المناقشة؟
لا تتردد في المساهمة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.