, ,

كنت في طهران (9)

ليلى صعب

كتبت ليلى صعب : بعد جولة ممتعة في السوق، وجرعة من برد الليل تزودنا بها ، عدنا الى الباص مرهقات والتعب اخذ منا كل مأخذ ، والمفارقة اننا سنمضي سهرتنا بزيارة رسمية ودعوة على العشاء في ضيافة الدكتور عدنان محمود سفير الجمهورية العربية السورية في طهران ، وهذه زيارة كان من المفروض ان تأخذ منا استعدادا وتأنقا ولباسا رسمياً ، لم يتسنى لنا ذلك الا أن الدقائق القليلة التي يستغرقها الطريق ونحن تقريبا في نفس الشارع ، كانت كافية لكي تُفتح العلب السحرية فتحاول اصلاح ما افسد الدهر والتعب على وجوههنا ، وأن تعيد اللون الوردي الى وجناتنا المصفرة من البرد. ما ان توقفنا امام السفارة حتى كنا قد استعدنا الحيوية والنضارة، كان سعادة السفير باستقبالنا عند الباب بابتسامة وبشاشة كسرت على الفور رهبة اللقاء ، وهو معروف بالنسبة الى كثيرات منا كونه شغل منصب وزير للاعلام مدة في دمشق .

ما قادني للحديث عن هذه الزيارة تحديدا هو عدة امور سأوجزها لكم بنقاط :

1_لم يكن مضى على وجودنا ثلاثة ايام في طهران ،لكن شعور الحنين للوطن والذي تبدى من الاشراقة والابتسامة ونحن نقابل هذه الاسرة السورية الصغيرة ، أخذني بالخيال الى هؤلاء الذين تركوا ارض الوطن طوعا او كرها ،وبعضهم لهث طويلا كي يغادر ويبدأ حياة جديدة ، كيف يشعر هؤلاء ؟ هل استطاعوا اقتلاع الحنين من صدورهم ؟ وهل غادرتهم ذكريات الطفولة وملاعب الصبا ومقاعد الدرس رغم كل الصعوبات والعقبات والالام ؟ اسئلة مشروعة لم اجد لها اجابات ..ولو اني شخصيا احسست ان الوطن يسكننا مهما ابتعدنا .

 

2_بوجود الاخوة الايرانيين معنا وبعد دقائق قليلة تحولت الجلسة من الطابع الرسمي البحت الى الطابع العائلي ، المرح وتبادلنا النوادر والطرائف وحتى الامثال الشعبية لدى الشعبين ، وهذا شفَّ عن كثير من التشابه في العادات والتقاليد والموروث الاجتماعي .ولم نكن نشعر الا اننا نسيج متشابه ، وقد حدثنا سعادة السفير عن طبيعة العلاقات الدبلوماسية والشعبية وعن ضرورة تطويرها وتعميقها اكثر على كافة المستويات ، وأثنى على دور الأصدقاء في الدعم والمساعدة في كل الظروف ، والحرص على تقوية وشائج الصداقة في كل المناسبات .

3_ بعد ان التقينا بسعادة السفير الايراني في دمشق الدكتور جواد تركابادي بات راسخا لدينا قناعة ان للسفيرين دور مهم جدا في التقريب بين الشعبين بما يمتلكانه من دماثة وبشاشة وفهم لطبيعة المرحلة وحساسيتها ، وتمنيت من قلبي ان تعاود وزارة الثقافة افتتاح مركزها الثقافي في طهران وهو مركز هام وعريق لأنه سيساعد في توثيق الصلة بين طبقة المثقفين في البلدين وسيجمع بينهما في نشاطات ثقافية وفكرية تخدم قضايانا وتؤثر تأثيرا غير مباشر في عقليات المجتمع وتقتلع منها تضليل وتشويش ، وذلك عبر روافع الثقافة من رسم ونحت وسينما وتصوير ضوئي وموسيقا ، وهو تبادل بين بلدين راسخين في الحضارة ولا يخشى ابداً ان يبتلع أحدهما الآخر ، بل سيفضي التلاقح بين الثقافتين الى نتاجات مبدعة وقوية في ظل التحديات الراهنة التي تهدف الى عولمتنا وتأطيرنا ضمن القوالب الغربية الجاهزة .

وهنا اشير الى الدور المهم الذي قامت به المستشارية الثقافية الايرانية في دمشق في أحلك الظروف ، بحيث حافظت على نشاطها وحيويتها في كل المناسبات ، وكان الاخوة يد العون لنا في اي نشاط يتعلق بالثقافة . سريعا مر الوقت ..وجميلا وتمازجت الثقافتين بمحبة في كنف السفارة وكان الطعام سوريا والضيافة ايرانية فاخرة حينا وسورية جدا حينا وخاصة حين جاءت المتة مع الزهورات السورية والعسل ومصاصات الخشب ..

واشتركنا في تناولها مع الاخوة الذين اختبروها للمرة الاولى ، غادرنا السفارة برفقة السفير الذي ودعنا حتى باب الباص ، كانت الاشجار على جانبي شارع السفارة اكثر ما لفتني باسقة ومتشابكة مثل اقواس النصر ، والحركة التي بدأت تخفت في الشارع افسحت لنا مجالا لتأمل جماليات جديدة للمدينة وشوارعها المخططة بدقة ، اعتقد ان قادم الأيام سيحمل الكثير من التقارب والقرب لان كل مقوماته موجودة لدى البلدين والشعبين ..ولابد ان تثمر هذه الجهود المبذولة في تفويت الفرصة على استهداف شعوب المنطقة في لحمتها وتآلفها وتواصلها ، ليلة سورية عبق الزعفران في فضائها ، وأضفت الاجواء الايرانية على جمالها شالا من الخصوصية والجمال .

 

0 الردود

اترك رد

هل تريد الانضمام إلى المناقشة؟
لا تتردد في المساهمة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.