, ,

كنت في ايران (10)

 حديقة الميناتور

كتبت ليلى صعب 

عند الاطلاع على برنامج الزيارة أحسست ببعض الامتعاض لأن المتحف الوطني الإيراني ليس على جدول الفعاليات المزمع زيارتها، والمتحف بالنسبة لي هو من أهم الاماكن التي أحب زيارتها لأنها تكثف المراحل الحضارية التاريخية لأي بلد عبر اللقى المعروضة في مكان محدود المساحة ، ولم يكن من اللائق طبعا الاعتراض باعتبار أن التخطيط والتنسيق يخضع لاعتبارات يقدرهاالاخوة ، ولكني بيت نية ان انفرد بالزيارة فيما لو اتيح لي ذلك ، ولم أكن أعرف إن أمنيتي على وشك التحقق للتو ، كان النهار شتويا مشمسا ، والحدائق تضجُّ بالحياة .

الوجهة (حديقة الميناتور ) ،ما أن بدأ الدكتور نبي زادة الشرح حول المحطة القادمة حتى استيقظت حواسي ، وتأهب فضولي ، دخلنا الحديقة ذات المدخل الفخم الجذاب ، كانت واسعة مثل كل حدائق طهران ، منظمة ومنسقة بعناية، جوها العام يجعل منها مكاناً للفسحة والترويح عن النفس .، هنا عرض الاخوة في ايران مجسمات كبيرة الحجم نسبيا لثلاثة عشر معلما أثريامسجلأً على قائمة التراث الانساني في منظمة اليونسكو ، وهذه المعالم الهامة موجودة في كل المحافظات الإيرانية ، وبذلك يمكن للزائر ان يزور حديقة الميناتور وكأنه زار ايران كلها ، هالتني الفكرة والتي تدل على محبة هؤلاء القوم لوطنهم ورغبتهم المقترنة بالفعل في التعريف بمواطن حضارته للعالم، وربما لا يتاح لابن طهران ذاتهاان يزور شيراز او تبريز او أصفهان ، اذاً هي حالة من الاعتزاز بالارث الحضاري الإنساني من جهة ، واستناد اليه في مواجهة غزو ثقافي ومحاولات تغييب وتعتيم من جهة اخرى . كانت السيدة مديرة المكان ودليلنا فيه سيدة لطيفة لبقة واسعة الصدر والمعرفة ، أشفقت عليهالكثرة اسئلتي واستفساراتي .

وكما في كل بلدان العالم تحقق المعالم الموضوعة على قائمة التراث الانساني نوعين من المعايير : الاولى : معايير طبيعية مثل الغابات والصحاري والجبال . والثانية المعايير الثقافية والتي يتدخل الإنسان عبر مراحل مختلفة في تشييدها ،ويمكن لبعض المعالم ان تحقق الشرطين معا. وتتعهد الدولة بالخفاظ على هذه المعالم والا فانها يمكن ان ترفع عن اللائحة اذا اختلت الشروط او تعرضت لبعض المستجدات كالزلزال الذي ضرب قلعة بم عام 2003 واعادت ايران ترميمها واعادتها الى القاىمة .

انضمت ايران الى معاهدة المواقع الانسانية عام 1975وتم تسجيل اول مَعْلَم على قائمة التراث الانساني عام 1979 وهو جغا زنبيل وتبعه برسبوليس وساحة نقش جهان حتى بلغ عدد المواقع23كلها ثقافية ما عدا صحراء لوط طبيعية ، تحتوي الحديقة على مجسم تخت جمشيد الموجود في شيراز وساحة نقش جهان في اصفهان وباسركاد وتخت سليمان وأديرة الأرمن وقلعة بم وجبل ونقش وبيستون وسوق تبريز ..وغيرها مما لم يسعفني الحظ والوقت بالتدقيق فيه . وكلها اماكن ذات قيمة حضارية وأثرية كبيرة ، مثل:

_ تخت جمشيد أو پرسپولیس، هي عاصمة الإمبراطورية الأخمينية (550-330ق.م). يبعد هذا الموقع مسافة 70كم شمال شرق مدينة شيراز في محافظة فارس في إيران. في الفارسية الحديثة، يعرف هذا الموقع باسم تخت جمشيد (أي عرش جمشيد) أو پارسه. أقدم بقايا هذا الموقع يعود تاريخها إلى 515ق.م. يدعى هذا الموقع عند الفرس القدامى باسم پارسه، والتي تعني “مدينة الفرس”. وترجمة اسم برسبوليس في اليونانية تعني “المدينة الفارسية”.

_ مجموعة أسواق تبريز_ أو بازار تبريز هو سوق تاريخي يقع وسط مدينة تبريز بإيران. وهو أقدم الأسواق في الشرق الأوسط وأكبر سوق مسقوف في العالم _معلم «تخت سليمان» الأثري في مدينة تكاب بآذربيجان الغربية من اكثر الحواضر التاريخية في ايران وحتى العالم أهمية وشهرة، هذه بعض المعالم ولا يتسع المجال هنا لذكرهاوالتفصيل فيها انا اوردتها كمثال فقط يبين مكانتها .

_ما اوصلت اليه ومن خلال الجولة هو شعوري اني اتجول في الاماكن الحقيقية ، الأحساس بالمكان عالٍ جدا، وذلك مرده الى ان اليد التي صنعت المجسمات يد خبيرة وحس مرهف حافظ على جماليتها و كان أمينا على المسحة الروحية التي تنتابنا عندما نزور الاثار الغابرة ..فتثير خيالنا ليرسم صورة اهلها وبطولاتهم ومعاناتهم .

الميناتور تجربة موجودة في بعض بلدان العالم ولكنها منفذة بايران بحرفية عالية ولا تقتصر على طهران ولكن ايضا في بعض المدن الاخرى مثل مشهد ، كم أتمنى لو نستطيع تطبيقها هنا في دمشق ،وخاصة اننا نمتلك ارثا حضاريا ضخما ، وبعض مواقعنا تعرضت للعبث والارهاب والسرقة ،بالاضافة الى الظروف الامنية التي حرمت اولادنا متعة زيارة المواقع الاثرية التي كانت جزءاً من رحلاتنا المدرسية ، والزائر لمتحف دمشق الوطني يعرف هذه المتعة وهو يدخل أحد المدافن الجنائزية التدمرية المنقولة كما هي الى احدى قاعاته بحجارتها وتعابير اصحابها ورهبتها وجلالها.

السياحة الثقافية ..أعتقد انه عنوان يمكن العمل عليه كثيرا اذا توفرت الارادة والايمان بأهميته ، ويمكن ان يكون من مصادر الدخل الوطني الهامة لبلدان مثل بلداننا حفرت اسمها على سجل الحضارة الأول منذ 10000سنة واكثر . والعلاقة العضوية بين الثقافة وكل شرايين الحياة في المجتمع ليست ترفا ولا ترفيها ..انها استثمار في الماضي لخدمة المستقبل برأيي المتواضع .

0 الردود

اترك رد

هل تريد الانضمام إلى المناقشة؟
لا تتردد في المساهمة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.