, ,

كنت في ايران (١١)

زيارة حي كرمان في العاصمة

 ليلى صعب 

كنت مهتمة بالاطلاع على تجربة الجمهورية الاسلامية فيما يتعلق بالنشاط الثقافي باعتبار المكانة البارزة التي تمثلها الثقافة في مختلف مفاصل الحياة في ايران.

اجتزنا الحديقة العامة الواسعة، كي نصل الى البناء الجميل الذي يقع في اخرها. اطفال يبدو انهم في نزهة مدرسية، أصوات لعبهم وصيحاتهم تملأ فضاء المكان، وقد انتشرت الالعاب الخاصة بهم في المكان، وغير بعيد عنهم ستشهد منظراً لا أعتقد اني سأجد من يصدق انه موجود في حديقة عامة بإيران، ورغم اني صورته الا انه من غير اللائق نشر الصورة بدون اذن اصحابها؛ منظر كنت رأيته من نافذة الباص ونحن نقطع الشوارع العامة، وهاهو ماثل امامي الان: اجهزة الايروبيك الرياضية تنتشر في ارجاء الحديقة، وعدد من النساء يمارسن الرياضة عليها ببساطة، لم اجد اعيناً فضولية تنظر اليهن سوانا، لايمنع “التشادور” وهو اللباس المحتشم او الزي المتعارف عليه المرأة من ممارسة كل مفردات الحياة الصحية، ولا تفرد النساء بركن قصي، فالكل يستمته بشمس الشتاء رجالا ونساءً وكبار سن واطفال وهو مشهد اعتقد ان كثيرأً من الدول التي ترتدي قناع التحضر الزائف المستند الى ابراج وعمارات، تعمل على الكهرباء تفتقر اليه.

بلغ عدد سكان طهران حسب احصاء عام 2016 اكثر من ثمانية ملايين نسمة ويزداد هذا العدد نهارا ليصل الى حوالي 12 ميليون نسمة، فهي مدينة مزدحمة وكبيرة جدا ولذلك تقسم الى 22 منطقة لتسهيل تقديم الخدمات لأهلها، كل منطقة حوالي 500000 نسمة وهذه بدورها مقسمة الى محلات(أحياء)، ونحن اليوم في محلة(حي) كرمان التابعة للمنطقة الثامنة لبلدية طهران.

حتى الان الامر اداري طبيعي معتاد، اما الجديد ان البلدية منحت هذا المقر لاهل الحي كي يمارسو نشاطهم الثقافي،(تطوعاً) وقد قاموا بأنتخاب مهندس شاب استقبلنا في مدخل المبنى وامام المجسم المصغر له. وشرح لنا الاهداف التي يحققها هذا المقر والتي تتركز على تقديم الخدمات الثقافية لأهالي الحي ذي الأغلبية الارمنية، وقد لفتني اعتزازه بأن الاهالي اختاروه وهو فخور بهذا الجهد الطوعي الذي يقدمه لمنطقته، وبشكل خاص الاسرة من اطفال ونساء وشباب. وهذا ما لمسناه واقعيا ونحن نتجول في ارجاء المكان حيث قاعات التدريب على الكمبيوتر واللغة وبعض المهن والحرف النسوية مثل شغل الصوف وغيرها، بالاضافة الى وجود قاعات مخصصة للطلاب الجامعيين للدراسة في جو من الهدوء التام، اما الطابق الارضي فهو مخصص لروضة للاطفال، ومكتبة للاطفال واخرى للكبار، وفي القبو ناد رياضي للسيدات. ومشغل صغير للخياطة.

يشبه المركز في وظائفه مراكزنا الثقافية ومعاهد الثقافة الشعبية فيها، لكن المميز فيه انه يعتمد على جهد الاهالي الطوعي، وهو ما يناسب العمل الثقافي الذي يحتاج الى دافع ذاتي وشغف، ولذلك نجد ان معظم كوادرنا والتي تملأ المراكز هي عبارة عن جيش من الموظفين، يفتقر الى الرغبة الحقيقة للعمل الثقافي، والاحساس بحقيقة الاهداف المرسومة لمثل هذه المراكز التي تكلف الدولة مبالغا باهظة ويكون مردودها دائما موضع انتقاد، وخاصة انها تعاني التبعية لجهات مختلفة بينما اعتقد ان البلديات هي الانسب لادارتها وفق ارادة نابعة من سكان المنطقة، وبذلك تحقق الثقافة الجماهيرية اهدافها، وتتفرغ وزارة الثقافة لادارة المستوى الاكبر وتضع الخطط الاستراتيجية العريضة، وتشرف على المؤسسات المركزية، كدار الاوبرا والمسارح والسينما والمكتبة الوطنية…(بالطبع مجرد انطباع ووجهة نظر لشخص لايملك القرار هو كاتبة هذه السطور ).

بفضول سألته عن اخر نشاط قام به المركز فأجاب بأنهم احتفلوا بالأمس بميلاد السيد المسيح حيث قاموا بزيارة مدارس المسيحيين وقدموا الهدايا للاطفال كما قدموا التهاني للاخوة المسيحيين بعيدهم في كنائسهم، وهنا اود ان اذكر اننا في كل مكان كنا نذهب اليه كان المضيف يخص اختين من اعضاء الوفد من اخوتنا المسيحيين بالمباركة بالاعياد التي تزامنت مع وجودنا في ايران، وقد قام مدير المركز بتقديم هديتين لهما من الهدايا التي اعدت خصيصا لمعايدة بعض الفعاليات المسيحية، هذه الاجابة اوصلتني الى موضوع لم اكن اود الخوض فيه. وهو الاقليات في ايران وخاصة الأرمن وهم جزء من المكون المسيحي الموجود في ايران والذي يضم ايضا الاشوريين وغيرهم وكنت قرأت منذ سنوات تقريرا لوزارة الخارجية الامريكية ايام مادلين اولبرايت تشير فيه الى انهم يتعرضون للاضطهاد الديني في ايران…واعتقد ان الاجابة كانت على لسان احد رؤوس الكنيسة الارمنية في ايران الذي قال: ان مادلين اولبرايت تتحدث عن امر تجهله(وانا اعتقد انه ليس جهلا بل امعان في الاستكبار والتضليل) وهو جزء من سياسة انحيازية لاتكيل بمكيال واحد ولاينظر بذات النظرة مثلا الى حضور المكون المسيحي في دول الخليج على سبيل المثال.

بنظرة سريعة تكتشف أن الأرمن ليسوا دخلاء على المجتمع الإيراني بدليل الكتابات القديمة والنقوش التي تبين حضورهم في الموروث الحضاري لهذه الارض، والدليل وجود عدة كنائس اثرية شاهدنا في متحف المينياتور. وهم موجودون في عدة مدن وخاصة أصفهان وأرومية وطهران. ولهم ابرشيات ترعى مصالحهم وهم يشعرون براحة وحرية اكثر بعد الثورة الاسلامية، الدستور الأيراني يحفظ حقوقهم ويمارسون طقوسهم الدينية دون اي عوائق، ولديهم عدد كبير من الكنائس والمعابد والمدارس في كل المحافظات، ويمارس رجال الدين المسيحي ومنهم الارمن مهامهم بكل حرية وبساطة، كما يتمتعون باحترام اخوتهم في الوطن، وهم شركاء الدم حيث شاركوا في الدفاع المقدس عن الارض واستشهد لهم ابناء سميت باسمائهم شوارع.

وجه من الوجوه المشرقة التي تعكسها ايران بالعيش المشترك والذي يتعرض ايضا للاستهداف والتعتيم ْ ويصعب ان تحكم عليه الا اذا عاينته عن قرب، على سبيل المثال لفتتني بعض الاسماء لاوتسترادات وشوارع جميلة في طهران وحين سألت أحد الأصدقاء عنها قال لي:

((بالنسبة لتسمية الشوارع و الميادين عندنا عرف في طهران العاصمة حيث سميت كثير من الشوارع و الميادين في العاصمة باسم المحافظات التي التي تتعلق بالاقليات او قوميات مثلا يوجد اتوستراد جميل جدا في وسط العاصمة باسم اتوستراد “كردستان” او شوارع باسم “آذربایجان” أو “شيراز” أو “خراسان” أو “كرمان” أو ….

هكذا يشعر ابناء الاقليات والقوميات المختلفة أنهم جزء معترف به في النظام السياسي و ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية وهناك شارع بأسم “جلفا” اشارة الى مدينة الأرمن في جمهورية أرمينيا التي هاجروها قبل 500 سنة حتى يسكنوا في مدينة أصفهان و حاليا حي الارمن في هذه المدينة يسمي حي جلفا.

وجه من الوجوه المشرقة التي تعكسها ايران بالعيش المشترك والذي يتعرض ايضا للاستهداف والتعتيم، وأعتقد اننا في سورية اليوم لم نكن بعيدين عن هذا الوضع الذي حاولت قوى البغي تغذيته واللعب عليه في داخل المجتمع السوري إلا أن ارادة الشعب السوري وتاريخه العريق في العيش كمكون ملون متنوع بقيت هي الاقوى والسلاح الامضى الذي اسقط رهانات الظلام.

0 الردود

اترك رد

هل تريد الانضمام إلى المناقشة؟
لا تتردد في المساهمة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.