, ,

كنت في ايران (١٢)

ليلى صعب

مشهد والحضرة الرضوية

بعد اربعة ايام حافلة وبرنامج غني ..كنا بدانا نألف المكان، ونشعر بحنين خفي ونحن نستعد لمغادرة طهران الى مدينة ايرانية اخرى، بعضنا كان يحبذ أصفهان أو شيراز وربما كرمان لاسباب مختلفة، ولمعلومات ربما سمعها من هنا وهناك ، الا أن وجهتنا كانت مدينة “مشهد” ثاني أكبر المدن الايرانية بعد طهران ، والتي يبلغ عدد سكانها حوالي اربعة ملايين نسمة.

ولو بحثنا في تاريخها لوجدنا انها امتداد لمدينة “طوس” التاريخية، هذه الحاضرة التي لعبت دورا فارقا ً في الثقافة الاسلامية عبر العصور الغابرة، واليها انتسب عدد كبير من العبقريات واصحاب المنجز العلمي في مختلف علوم الفقه والدين والفلك والحساب والطب، وما اكثر ما سمعنا بلقب “الطوسي” نسبة الى طوس يسبق اسماء علماء المسلمين.

غادرنا طهران على متن طائرة جامبو ضخمة، ولا أريد الاسراف في وصف مطار “مهر اباد ” وهو المطار الداخلي الذي يربط المدن الايرانية المترامية، مكان مكتظ بالمسافرين، ولكن الجمال والاناقة والتنظيم لا تختلف عن المطار الدولي، واللوحات الفنية التي تمثل معالم ايران الحضارية والثقافية تزيده بهجة ورقياً.

وصلنا مشهد ..وقد تلألت انوارها مثل ماسات براقة على صدر الليل، لوحة ساحرة وصلتنا اولى تعويذاتها ونحن في الجو.

بقليل من الوقت وصلنا الى الفندق، وبعد اجراءات روتينية سريعة، دخلنا غرفنا البسيطة والمرتبة، فتحت النافذة يدفعني حب اطلاع وفضول(وهما صفتان اجتمعتا بي وبالدكتورة بتول الفتاة الرقيقة الجميلة التي تشاركني الغرفة)، المشهد من النافذة كان يفوق اجمل توقعاتي، كان الفندق يطل على مرقد الامام الرضا عليه السلام ثامن الأئمة الانثي عشرية، طراز معماري رفيع، رسمت صورته بأنوار القباب والواجهات والباحات الواسعة، كان سكون الليل يضفي على المشهد حالة من الروحانية والخشوع المستمد من مكان عريق قديم حظي بأحترام فئات مختلفة من المجتمع الايراني والاسلامي والانساني.

 

بعد تناول العشاء في مطعم الفندق في الطابق السادس والذي بدوره عبارة عن شرفة زجاجية مطلة على الحرم، خلدنا للنوم ساعات قليلة، استعدادا ليوم الغد الحافل وهو يوم الجمعة، حيث كنا على موعد مع السيدة المسؤولة عن قسم النساء ومركز حوار الاديان والدراسات في الحضرة الرضوية وهي دكتورة ذات ثقافة واسعة واطلاع، و زوجة السيد ابراهيم رئيسي متولي العتبة الرضوية والذي شعرت ان اسمه مألوف لدي، حتى اكتشفت انه كان مرشح الرئاسة والذي يمثل ما يسمى بالمحافظين في ايران و نافس الرئيس روحاني في انتخابات 2017 والتي احتلت فيها ايران واجهة الاعلام العالمي من حيث الاقبال والتنظيم.

بعد الزيارة التي تم خلالها تبادل الاحاديث والخبرات وتركزت حول دور المراة وحضورها في الحضارة الاسلامية وفي فكر الامام الخميني قائد الثورة و مؤسس الجمهورية الاسلامية. وهو حضور رفيع ومحترم، ومكانة قد لا تحظى بها النساء في الكثير من دول العالم.

 

انطلقنا لزيارة متحف القرآن الكريم في ذات المكان، حيث عاينا نماذج للنسخ الفريدة والخطوط والتغليف وادوات الكتابة وكلها قديمة وعريقة، عرضت بشكل انيق ومكان يليق بما تمثله من حفظ للكتاب المقدس، كما تجولنا في معرض للوحات الفنية التعبيرية المستقاة من قصة الحسين عليه السلام ومعاني كربلاء لعدد من الفنانين الايرانيين، لوحات مدهشة تجسد العقائد الدينية بأسلوب فني يحاكي اللوحات العالمية.

 

في مكان قريب قاعة لعرض هدايا الامام القائد وبعض الشخصيات من ايران والعالم الاسلامي لمرقد الامام الرضا عليه السلام، وكلها اشياء نفيسة وثمينة وتحمل اسمى ايات الابداع والابتكار والجمال.

بعد هذه الجولة في بعض قاعات المتحف الكثيرة انتقلنا الى صحن المرقد حتى نصل الى الضريح، هذه الحضرة الرضوية التي شاءت الاقدار التاريخية ان تجمع بين قبر الخليفة هارون الرشيد وقبر الامام الرضا عليه السلام، ولست هنا في وارد الخوض في الحوادث التاريخية والعقائد الدينية.

ما يسحرني هو نمط العمارة الايرانية الذي يستمد ارث الامبراطورية الفارسية المطعم بتأثير الحضارة الاسلامية، شعرت بخشوع قلما ينتابني في حضرة الاماكن الدينية، خشوع ربما مرده الى عظمة سكان المكان، ومهابته التي التي حفظته من الغزوات والدمار الذي طال مدينة طوس على ايدي التتار، وقد كان وجود هذا الصرح احد اسباب نشوء مدينة مشهد من الناس التي احتمت به والبيوت التي تحلقت حوله حتى كونت مدينة واخذت اسمها منه.

المرحلة الأهم من الزيارة هي الانتقال الى حرم المرقد حيث تجد نفسك امام تحفة معمارية غاية في الجمال والروعة، تجمع بين القيمة التاريخية والفن النفيس، يتسع فضاء المكان وتتداخل الهندسة والحساب، بناء غاية في التعقيد الهندسي عماده القباب الضخمة والاقواس، والمقرنصات، تشكل فيه الزخارف النباتية والفسيفساء التراثية والقيشاني مشهدا كليا متكاملا يجعلها اشبه بجوهرة نفيسة تأتلق تحت انعكاس ضوء الشمس فتخطف الالباب.

للمرقد قسم اساسي قديم، ويبدو ان الايرانيين الذين تعاقبوا على المكان تنافسوا في توسيعه وبناء أقسام جديدة منه وكلها تضاهي القسم الاول زخرفة وهندسة ووقارا، واذا دققنا وجدنا ان هناك مآذن وقباب لازالت قيد الانشاء، يرمي الانسان المتعب احماله في حضرة الائمة والأنبياء فيريحه ايمانه من اوزار الحياة وآلامها، آلالف يوفون نذورهم هنا، واكثر من خمسة وعشرين الفا من الزوار تتناول الطعام في مضيف الامام كل يوم، كنانحن منهم اليوم حيث تبركنا بطعامه، وفاضت قلوبنا بالدعاء في حضرته ، و فاضت بنا الالام والاحزان…

جئناه نحمل شكوى امهات الشهداء، و نحكي له عن الظلم والخذلان، اطفالنا البريئة التي ذبحت، هل كانت السماء هنا أقرب ربما…هل سبقتنا الاف الامهات الايرانيات اللواتي عايشن الثكل والفقد والحرب، فبللت دموعهن جدرانه البهية وسجاده الفاخر.

لم تكن زيارة مرقد الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام زيارة دينية، ونحن نشكل اطيافا مختلفة، كانت زيارة لتحفة حضارية انسانية، ومدرسة معمارية لا تمر بحياتنا كثيرا.

حين خرجت منفردة اقطع فضاءات البهو الواسع النظيف الذي يدل على ارتقاء الزوار ورقيهم، لأمر بجانب من السوق والمدينة وصولا الى الفندق، كانت الرهبة تسكنني، والدهشة تعقد لساني وعيني تبحث اشاعات خبيثة وكلام دنس عجت به صفحات لانترنت عن هذه المدينة المقدسة …ابحث … ولا اجد الاالجمال والرهبة والوجوه المبتسمة….
جولة ساحكي لكم عنها بالتفصيل …
ان شاءالله …

0 الردود

اترك رد

هل تريد الانضمام إلى المناقشة؟
لا تتردد في المساهمة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.