, ,

الذكرى الأربعون لانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية …التطور والازدهار رغم الحصار

أبوالفضل صالحي نيا

قبل أيّام قليلة أقيمت في طهران مراسم إعلان أسماء الفائزين بجائزة كتاب السنة للجمهورية الإسلامية الإيرانية وتمّ توزيع الجوائز، ومما كان لافتاً للنظر أنه لم يحضر هذه المراسم أربع شخصيات أجنبية فائزة لاستلام جوائزهم القيّمة بسبب تهديدات أمريكا بمنعهم من دخول الولايات المتحدة الأمريكية إذا مهرت جوازاتهم بالختم الإيراني، من هنا تبيّن للعالم زيف ادعاءات حكّام أمريكا بأنّ حصار إيران حصار اقتصادي يهدف إلى الضغط عليها للجلوس على طاولة المفاوضات من جديد. إلا أن الواقع قال كلمته بأنّ الحصار ضد إيران هو حصار علمي معرفي حضاري قبل أن يكون اقتصادياً وسياسياً. ليس بقرار جديد وليس بقرار (ترامب) بل هي عداوة قام بها الأمريكان منذ اليوم الأول لانتصار الثورة الإسلامية.
ثقافة المجتمع

الثورة الإسلامية التي حملت الطابع الثقافی أكثر من السیاسي، لم تكن ولیدة یومها بل نتاج سنین من العمل الثقافي التوعوي بقیادة الإمام الخمیني الذي بدأه قبل أكثر من عشرین عاماً من انتصار الثورة وتابعه من منفاه بمساعدة أنصاره في كل أنحاء إیران، ومن خلال هذا النشاط الثقافي المعرفي أصبح الشعب الإیراني على درایة تامة بالأوضاع السیاسیة والاقتصادیة والثقافیة للبلد حیث لم يعد خافیاً علی الشعب مصادرة استقلال البلد من قبل النظام الملكي الحاكم وتبعیته المطلقة للولایات المتحدة الأمریكیة وتحالفه الاستراتیجي مع الكیان الصهیوني وتغلغل المستشارین العسكریین والفنیین والاقتصادیین الأجانب فی كل مفاصل المجتمع الإیراني وهكذا تشكّلت الحالة المعرفیة المطالبة بتغییر النظام وأصبح الشعب بحاجة إلی سبب لاشتعال الثورة، وجاء السبب؛ أيضاً على حدث ثقافي، من خلال نشر مقال في إحدی الصحف الإیرانیة أدى إلى إشعال فتیل الثورة التي لم یطل الانتظار لانتصارها، فأحدثت تغییراً جذریاً في كل مرافق وجوانب حیاة المجتمع الإیراني وخاصة في الجانب الثقافي والعلمي والمعرفي. وهو الذي كان من أهم أهدافها الارتقاء بمستوى المجتمع الإيراني إلى أعلى المستويات العلمية والثقافية والحضارية. والحكومات الإيرانية المتتالية منذ الانتصار رغم كل انشغالاتها بسبب المؤامرات المتعددة والمتوالية اهتمّت بالتخطيط الاستراتيجي والاستثمار لما يلزم لتحقيق الهدف بالتقدم والازدهار والتطور العلمي والثقافي.
اليوم وبعد مضي أربعين عاماً، حينما ننظر إلى الخلف ونقارن موقع إيران العلمي والثقافي عالمياً مع ما كانت عليه نشعر بفخر واعتزاز لما تم إنجازه رغم كل العوائق والشدائد التي كان أشدها وطأة (الحصار).
الإعلام المضلل للمشهد الواقعي للثورة

طبعاً الصورة النمطية التي يروّجها الإعلام الغربي -وللأسف بعض الإعلام العربي- لم تسمح للرأي العام العالمي ولا الإسلامي أن يرى شيئاً واضحاً أو جليّاً من المشهد الحقيقي والواقعي الحضاري للثورة الإسلامية. الاستقلال السیاسي والحریة الاجتماعیة للشعب إثر انتصار الثورة الإسلامیة فتحا المجال للطاقات الثقافیة والعلمية الوطنية خاصة الشبابية، والحكومة الإسلامیة رعت وشجّعت هذه الطاقات من خلال رسم استراتیجیة التنمیة الشاملة للبلد وأیضاً من خلال تقدیم الدعم والتسهيلات للعلماء والباحثين والكتّاب والفنانين، ما جعل المجتمع الإیراني يشهد نشاطاً وحيوية علمية وثقافية غير مسبوقين إلا في فترة ازدهار الحضارة الإسلامية، حيث كان لإيران وللإيرانيين مساهمة كبيرة في تأسيس الحضارة الإسلامية وتطوّرها، واليوم الثورة الإسلامية نفخت فی الشعب الإیراني روح المبادرة لإحياء حضارتنا من جديد وجعل المسلمين روّاد الحضارة مرّة أخرى، الجمهورية الإسلامية الإيرانية تبنّت هذه المبادرة من خلال تدوين خطط خماسية متتالية والخطة العشرينية والمثابرة في تنفيذ البرامج التي تحقق هذا الهدف.
واقع التطور والازدهار

اليوم واقع إيران العلمي والبحثي والتقني والثقافي باعتراف مراكز الرصد العالمية يستبشر بالخير ويشير إلى مواكبة إيران التقدم والتطور العلمي والمعرفي عالمياً، وسير إيران باتجاه ترسيخ أسس الحضارة من جديد. هذا الإنجاز الكبير لم يحدث صدفة ولم يستورد من الخارج بل هو حصيلة تخطيط استراتيجي مدروس وعمل دؤوب مستند إلى العزم والإرادة وتعاون الحكومة ودعم النخب ولا سيما الشباب منهم حيث الآن الأكثرية بين النخب والعلماء في إيران هي للعلماء الشباب من جيل الثورة. تقدم إيران في أيّ حقل علمي ومعرفي وحصولها على مراتب عليا عالمياً هو نتاج مجموعة من التدابير من جملتها تأسيس مؤسسات معنية لدعم البحوث والباحثين ومؤسسات تعليمية تخصصية وتأهيل قوى بشرية متخصصة وربط الجامعات بالمراكز البحثية والمصانع.
الإنجازات بالأرقام

هنا نلقي نظرة سريعة على مشهد النشاط العلمي والبحثي في إيران:
 تم تحديد أهم الأهداف في مجالات العلوم والتكنولوجيا في الخطة العشرينية بالحصول على المركز الأول في العلوم والتكنولوجيا في المنطقة وفق الشروط المميزة للاقتصاد القائم على القاعدة المعرفية، والتركيز على حركة البيانات والمنتجات العلمية والتكنولوجية وتحصيل المعرفة المتقدمة، وإمكانية إنتاج العلم والتقنية.
 اليوم أكثر من 4811581 طالباً وطالبة يدرسون في الجامعات الإيرانية 45.9% منهم من النساء، ما يظهر التوازن بين الجنسين.
 أحد الإجراءات المهمة في تسهيل عمل الباحثين والعلماء هي سَنّ قانون دعم الشركات القائمة على القواعد المعرفية في عام 2010م، وتطبيقه عام 2013م؛ فإنَّ كثيراً من الجهات الداعمة تمّ تطويرها لأجل الشركات القائمة على القواعد المعرفية. السنوات 2014 – 2017 شهدت نمواً سريعاً في الشركات القائمة على القواعد المعرفية من 25 شركة في آذار 2014م إلى 3032 شركة في أيار 2017م.
 بنفس الاتجاه تمّ تأسيس المؤسسة الوطنية الإيرانية للعلوم عام 2003م بموافقة رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام حيث قامت المؤسسة وعلى مدى أكثر من عقد بدعم البرامج البحثية لباحثين وعلماء إيرانيين بهدف ردم الهوة بين العلم والصناعة في إيران.
 حالياً أكثر من 70% من أعضاء الهيئة التدريسية في الكليات والباحثين من مختلف الجامعات والمعاهد البحثية عبر البلاد يساهمون في نشاطات متنوعة ومشروعات متقدمة لصالح المؤسسة الوطنية الإيرانية للعلوم.
 أيضاً تمّ تأسيس صندوق الابتكار والتنمية في الرئاسة الجمهورية عام 2011 لأجل دعم الاقتصاد القائم على القواعد المعرفية مادياً وغير مادي، موّل هذا الصندوق من آذار 2017م إلى الآن 1818 مشروعاً بما مجموعه 1.5 مليار دولار أمريكي. بنفس الاتجاه أسست مؤسسة النخب الوطنية عام 2004م بهدف تزويد المخترعين والقادة العلميين بدعم مادي ومعنوي.
 في كانون الأول عام 2013م أسس قسم جديد سمي وكالة العلاقات الدولية يهدف إلى ربط مواهب الإيرانيين غير المقيمين لتحسين الاستيعاب المحلي والحصول على ميزات وتجارب من المقيمين خارج البلاد.
 النانو تكنولوجي: معروف أنّ إيران من الدول المتقدمة في تقنية النانو ولكن كيف حصل هذا؟ وضع سياسة تطوير تقنية النانو في إيران عام 2001م وثمّ أُسِّس مجلس تطوير تقنية النانو عام 2003 لتأكيد التنسيق والتعاون بين كل المعاهد والوكالات المشتركة في تطوير تقنية النانو.
في عام 2005م تم وضع خطة استراتيجية مدتها عشر سنوات لتطوير تقنية النانو في إيران أُقرَّت من قبل الحكومة. مع إنجاز الخطة الاستراتيجية المستقبلية ومزوّداتها بمراحلها الثلاثية حتى عام 2015 أصبحت إيران في المرتبة السابعة عالمياً في إنتاج علوم النانو واليوم تنعم هذه الصناعة بأكثر من 29 ألف باحث. من جهة أخرى أكثر من 460 ألف طالب جامعي يتدربون في تطوير تقنية النانو وأيضاً 157 شركة تنتج 361 منتجاً وجهازاً معتمداً على تقنية النانو و600 شركة تقدم خدمات لتطوير العمل لنشر تقنية النانو في الصناعة بعد إنجاز الخطة الاستراتيجية المستقبلية.
كما أُعدّت الخطة العشرية الثانية لتطوير تقنية النانو 2015 – 2025 و وضعت قيد العمل منذ النصف الثاني للعام 2015م.
سجَّلت الجامعات الإيرانية ومراكز الأبحاث أكثر من 3300 أطروحة دكتوراه لها علاقة بتكنولوجيا النانو وأكثر من 16000 موضوعاً في الماجستير.
 التقنية الحيوية: شعبة أخرى من العلوم الحساسة وهي التقنية الحيوية التي عرفت اليوم بأنها أحدث أنواع التقنيات في القرن الحادي والعشرين، ومن بين الصناعات السبع الأساسية التي ستقرر المصير الاجتماعي- الاقتصادي للمجتمعات في العقود القادمة. بهذا السبب قررت ايران الخوض في امتلاك هذه المعرفة فتمّ تأسيس معهد التكنولوجيا الحيوية في مركز الأبحاث الإيراني للعلوم والتكنولوجيا عام 1980م .
تم تأسيس المعهد الوطني للهندسة الجينية والتكنولوجيا الحيوية في عام 1989م و كان علامة مميزة في تطوير طرق حديثة للتكنولوجيا الحديثة في البلاد. حالياً يوجد 25 حقلاً نشطاً للعلوم والتكنولوجيا وحاضناً عبر البلاد، و 5 حاضنات متخصصة بالتكنولوجيا الحيوية، إلى جانب 527 شركة تقنية حيوية تم تسجيلها، ومنها 211 شركة موجودة في 20 حقلاً للعلوم والتكنولوجيا وبلدات بحثية علمية.
81 جامعة و 18 مركزاً بحثياً ومعهداً مرتبطة حالياً بشؤون البحث التكنو حيوي والتدريب في إيران. وهناك أيضاً 24 مركزاً بحثياً تتضمن 15 مركزاً مرتبطاً بوزارة العلوم والبحث والتكنولوجيا.
7 مراكز بحثية مرتبطة بوزارة الصحة والعلوم الطبية، ومركزان بحثيان مرتبطان بالمركز الأكاديمي للتعليم والثقافة والبحث توجه أبحاثها باتجاه التكنولوجيا الحيوية في إيران.
 الخلايا الجذعية: حقل معرفي مهم ارتقى مكانة مرموقة في إيران؛ إنه حقل (الخلايا الجذعية). فيعود تاريخ الأبحاث في الخلايا الجذعية في إيران إلى النقل الأول لخلية جذعية مكونة للدم في التسعينيات. منذ العام 1994م قام الباحثون الإيرانيون بنشر مجموعة من الأبحاث المتعلقة بالخلايا الجذعية في المجلات العلمية الشهيرة. وبحلول عام 2004م تطورت الدراسات حول الخلايا الجذعية في إيران لتتضمن أبحاثاً حول الخلية الجذعية الجينية، التي قادت إلى اكتشاف مجالات جديدة حول الخلايا الجذعية في البلاد. منذ العام 2005م كان الباحثون الإيرانيون منهمكين في هندسة النُّسُج والأدوية القابلة للتطوير. ومنذ ذلك الوقت انشغل الإيرانيون برفع منحنى مشاركتهم في نشر أبحاث قيِّمة في المجلات العالمية المُحكّمة في هذه المجالات. في خطوة لتسريع تقدم البلاد في هذا المجال الاستراتيجي، ومجاراة الدول الأخرى تمّ تأسيس مجلس علوم الخلايا الجذعية وتقنياتها في شباط عام 2009م. الوثيقة الوطنية حول علوم الخلايا الجذعية وتقنياتها تم إقرارها كجزء من الخارطة الوطنية الشاملة للعلوم في أيلول من عام 2013م.
وفيما يخص الأبحاث حول علوم الخلايا الجذعية والأدوية المطورة فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد صُنِّفت بالمرتبة الأولى في الشرق الأوسط والبلدان الإسلامية، وبالمرتبة الثانية بين دول شرق البحر المتوسط وشمال إفريقيا. من المؤمَّل أنه بزيادة الاستثمار في أبحاث الخلايا الجذعية، فإن إيران ستصبح من بين الدول العشر الأوائل في العالم بحلول عام 2025م. صُنِّفت إيران في المرتبة 20 عالمياً برقم إجمالي يصل إلى 6360 بحثاً في مجال علوم الخلايا الجذعية والأدوية القابلة للتطوير بما فيها العلاج الخلوي، والعلاج الجيني، وزرع الخلايا الجذعية المكونة للدم وهندسة النسج، والمواد الحيوية. هناك حقول معرفية أخرى مهمة جداً من جملتها الأقمار الصناعية والصواريخ الحاملة للأقمار وتقنية الاتصالات والتقنية النووية وصناعة الأدوية لإيران مكانة مرموقة عالمياً في كل منها لا مجال لتناولها هنا.
الإعلام المتصهين الغربي يحاول حرف أنظار الشعوب عن التقدم والتطور العلمي الهائل لإيران لأنّ هذا الأمر يناقض صورة إيران المقدمة من قبلهم.
إيران تعتبر تقدمها العلمي إنجازاً للعالم الإسلامي وخطوة باتجاه إحياء الحضارة الإسلامية ومستعدة لنقل تجاربها إلى الأصدقاء.

 

0 الردود

اترك رد

هل تريد الانضمام إلى المناقشة؟
لا تتردد في المساهمة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.