, , ,

ايران في اليقظة المجنحة.. رعشة الولادة الاولى… المياه..اليابسة…والجبل….

بقلم: لبني مرتضى
خاص لموقع سوريران

رعشة الولاده الأولى.. المياه … اليابسة .. والجبل .. ايران في اليقظه المجنحة

عندما ترسو عيونُكَ في موانئ الذّاكرة والأحلام، يأخذكَ الشوقُ القتَّال إلى أرضٍ سعيدةٍ عزيزةٍ اسمها إيرانُ، وعندما تصبحُ دقاتُ قلبك رسائلَ غرامٍ لتلك الجميلة التي تركتها هناك خلف قمرٍ وهلالٍ لم يكتملْ، عندها فقط تتخلى أناملي عن الفعل الإرادي، وتنحني منحنى الكتابة، لبلاد الحب والجمال، لشعبها، لأرضها وسمائها، لصباياها وشبابها، للسهل والجبل، للحب والسهر.
فإنَّ الحياة لغزٌ من الألغاز، وتسلسلُ الأحداثِ فيها على كيفيةٍ خاصة، تختلفُ من فردٍ إلى آخر، وهو سرٌّ من الأسرار للأحاديث المترعةِ بالمعنى خلفَ زوايا الأمكنة. كنزقِ موجةٍ لاهثةٍ نثرتْ فقاعاتها على الرمالِ واستراحت، لتأتي ثانيةً وثالثة.
فثمَّة حقيقةٌ مؤكدةٌ لابد من ايرادها لهذا العالم الغريب المملوء بالولادات الفكرية والحضارية والمدنية الساحرة، تختزن رائحةَ التراب وأعاجيبَ المنسيات.
فيها الأرضُ ليست كالأرضِ، والسماءُ ليست كالسماء، هي عودةٌ للانصهار بالمكان الأليف، هي نوع من التماهي مع الأماكن التي شُكِّلت على المدى، هي مسرحٌ لأحلامِ يقظتنا المجنّحة، هي عودةٌ للغوص في ذاكرة الأشياء، والعبث بالحروف ليبقى السطرُ رفّاً لحرفٍ سبقَ التعبير عن فحواه. تكادُ صورتها في الذِّهن تقفز ناطقةً أمامَ ناظري وأنا أقطعُ المسافات للإبحار بعالمها(مدينة الملوك والسلاطين).
لم يخطرْ في بالي بأنْ أسمحَ للضوء أنْ يتهادى على هذه الأوراقِ الخاصة، إنها الوجدانيات. ولكنَّ التصاقي في مادتي أي (الكتابة) وحبي لها شجعني على أن أفصحَ عن عواطفها التي تطفو أحيانا مثل ورقة على مياه الغدير كي تبوحَ بالعاطفة الجارفة والانشغال بالحائط الشغاف المكتسب. فهناك متسعٌ لحوافِّ الصخور للسير في محاذاتها للوصولِ للمراكبِ الصغيرة. فأنا أجزمُ بأنّ القارئَ سيتضحُ له بأنَّ هذه الوجدانيات ليست لي، أو لصغيرات الأنا، بل هي للأنا الموضوعية الكبيرة.
فقد بدأتْ حكايتي معها عندما وطأتُ هذه الالوانَ والزرقةَ المفتوحة، فعالمُها فتح لي ذراعيه ودعاني أن أملأَ وجودي، الذي دفعني للانطلاق في شعابها، ليكونَ الله، وتكونَ الروحُ، كينبوعٍ يجري في نفسي.
فهي طهرانُ، استراحةُ المسافرِ وخيالٌ يلونُ المشاعر، ونداءٌ من الأعماقِ يدعوك للقدوم، نحوَ خيوطٍ معقدةٍ ومتشابكةٍ لعالم رحب. فالنورُ وشاحاً فوقَ كتفها يأخذ بأشكالٍ مستديرةٍ نقطةً وقطرةً أصغرَ من الشمس. وقد تراها أكثرَ وضوحاً إذْ ما تشابكتِ الحقيقةُ مع الخيال في لوحة واحدة، وأنت تقفُ على قمّةِ برجِ ميلاد، المثقلِ بالأسرار، ما عليك إلاّ أنْ تهبَ نفسَك لهذا النداء الذي يتبسّمُ للمطلق في كل ما هو لك، وأنت تشاهدُ الدهشةَ، وهي ترسمُ خطوطَها لمدينةِ السِّحر (طهران) فكأنّك تعانقُ السّماء وتطالُها بصعود يدك، وتبقى تغزلُ العطرَ لدرب التّبانة وهي ملتحفةٌ كرداءٍ للأرض.
فعندما تراه تشعر ببساطة العمر المفروش بجدائل الفرح الذي يحصده الشوق بابتسامته الراقية وكلمته(السلام عليكم) أهلا بكم (السيد علي درويش بور) أمين عام برج ميلاد الذي بادرنا بهديته (مجسم لبرج ميلاد) وحديثه عن تقانة بناء هذا البرج العظيم.
والوجهة بعدها كانت إلى السفارة الفلسطينية بإيران، الوجهة التي تفتحت مع بداية الصباح ليلقانا السفير الفلسطيني ومسير السلك السياسي العام الاستاذ (صلاح الزواوي)
فالجمالُ هنا هو أعمقُ وأقدمُ وأصدقُ، وأدقُّ لغةٍ يتحدثُ بها الإنسانُ أو يعبّر عنها، والرحلةُ هذه كالطائرِّ المتباهي بنهايات الضوء المتلوّنِ بآخرِ أطيافِ جناحيه الأسطوريين اللذين رافقا رعشةَ الولادةِ الأولى للمياه واليابسة والجبال التي عبرناها مبحرين ضمن مداراتها العديدة (سلسلة جبال البورز) وكأنَّ في أعماقها زمجرةً رهيبةً توشكُ أن تدفعَك إلى الحركةِ والسير نحو الآفاقِ المشرقةِ التي أسبغت عليها أسطورةُ الخلقِ كلمتَها الأولى.
إنّ تلك الثورةَ التي تجتاحُ أعماقَك وأنت تحدِّدُ هدفَك نحوَ الساحل، تركدُ نارُها عند أول التصاقِ لقمةِ هذه الأسطورة المتصلة بالسماء والغيم والعطر والمطر. تخبرك بأنك لستَ سرفانتس تعلو بسيفك (الدون كيشوتي) ولن ينفعك مكرُ طروادة في الدخول لهيبتها. فأنت أمامَ الإعجازِ واللثغ بالحرف والمعنى.
وعند انتهاءِ خطّ التوازي، يرقبُك من البعيد حديثُ الكثيرِ من الحياة الجاثية وقد عانقتها مساحاتُ الاكتشاف وتماهي الأزرق وما بينهما الغروب البعيد. (مدينة حالوس الساحلية).
نحو قادمٍ مسكونٍ بالحبّ والخير والعطاء، والمزروعِ بدوران المجرات عبر ناظريك وأنت تنظر للمدى والمدى البعيد أكثر.
وعلى الجانبِ الآخر من الأثر المضيء المشرق، فإننا ننظرُ إلى أقصى الهدفِ القادم من حقول هذه الشمسِ والجبالِ المسكونة بآلافِ الحقائق..
هل أنا ذاك النورُ الأبيض؟
أم نفسي أتلمّسُها تخرج من هذي البرهةِ نحوَ نبضةٍ كونية..
وفي غمرةِ الحقائقِ المتواثبة تمرّ عليك مدينةُ شيرازَ بحلتها، وما أنْ نصبتُ نظراتي وكانت أجراسُ الدهشةِ قد قُرِعَت، وأنا أناظرُ الكتبَ وهي تحملُ زوّادةَ المعرفةِ بين بياضِ أوراقها وروحِك التي تصطلي كحديقةٍ صغيرةٍ تريدُ أنْ تجمعَ كلَّ ألوانِ الزّهورِ وتمضي، كانَ معرضُ الكتابِ الذي افتتحه وزيرُ الثّقافةِ في هذه المدينة التي امتلكتْ بكلِّ تفاصيلها لحظةَ المرآة الممنوحة للحياة.
وماكادت تنظر لهفتنا حتى أوجست في داخلي غبطة ارتسمت من وجه ذلك المضيئ بالمعنى والشاعرية المرهفة(غلا محسن أولاد). التقيته، حدقت بعينيه طويلا، فوقفت حائرة بين سنون عمره وشعره الطويل الأبيض، ذلك المتفرد الذي خاطبني بإهداء لي كتبه على مجموعته الشعرية التي تحمل عنوان(صحراى بايزيدى)ّّ.
(بسم رب الزمان)
مع تقديم تحياتي ومحبتي الوافرة الكثيرة.
اهدي هذه الغزليات إلى الشاعرة والكاتبة والصحفية العزيزة السيدة لبنى مرتضى
مع تمنياتي لتوفيقكم.
الدورة الخامسة عشر لمعرض الكتاب في شيراز
……… غلا محسن أولاد.
أخذت أهدئ ثائر نفسي لحروفه كأنما هي وثيقة عاهد بها نفسه على كتمان الذهب وأعطانا نصف معنى وابهام السبيل حين وافته المنيه التي ألمت بخسارة أيدينا لهذا الشاعر العظيم…
كنت غزالة سريعة الحركة
حرة من كل هم
في ليلة على منحدر
الجبل ركض ورائي نمر
يداه ملطخة بالدماء
فرآني أركض من هنا إلى هنا
فحار من قفزي على الصخور بهذه اللهفة……..
وهنا تذكرتُ مقولةَ الشاعر الألماني غوته عندما قال( حافظُ هو قمّة إعجاز الأدب الشرقي، قراءة أشعاره بدّلت حالي تماما، إن الذي يعرف هذا الصديق السماوي مرة لا يستطيع تركَه أبداً).
وهذا ما دعاني لزيارة قبره الخالدِ أبداً، الشاعرُ حافظ الشيرازي، العاشقُ الفارسي صاحبُ اللغة الساخرة الفريدة من نوعها.
واسكرْ بكأسِ العشقِ قبل مماتك
فما عرفتَ معنى الحياةِ لو لمْ تَذُق في حياتك عشقا.
وتُروى عنه قصةٌ، أنَّ في جنازته اختلف البعضُ على دفنه في مقابر المسلمين، فلجؤوا إلى أشعاره يستخرجون منها بيتا فكان البيت:
لا تتخلف عن جنازة حافظٍ
فهو ذاهبٌ للفردوسِ ولو كانَ عاصيا.
يقولُ فان كوخ ( ليست السماءُ سوى بقعٍ من ضرباتِ الريشةِ تسيرُ تابعةً الأرضَ في دورانها الأزلي).
كهذا جاءت مدينةُ أصفهان بمرورها على مسالكنا الحالمة اليقظة، بازرات، قهاوٍ، حدائقُ، مشاتلُ عطر ولحن وموسيقا تجذبكَ نحوها كانجذاب الكورسِ لحركة الدّوْ .
إذ ما مررتَ على خمرتِها القديمة ، يورقُ صوتَك من المكانِ وينداحُ عطرا إذ ما نطقتَ.
يمرّ الحبُّ ملاطفاً وجهي وأنا أقصدُ العتبَات المقدّسة في مدينةِ قم، فالحالةُ

الصوفية هي روحانياتٌ مجدولةٌ كوحدةٍ متكاملةٍ أشبه بعرق الذهب مختلطاً بالصّخر والترابِ معا.
أيّها البشرُ الأتقياء التائهون في هذا العالم
لمَ هذا التيهُ من أجل معشوقٍ واحدٍ؟
ما تبحثونَ عنه في هذا العالم
ابحثوا في دخائلكم فما أنتم
سوى ذلك المعشوق…
( مولانا جلال الدين الروميّ )
الكتبُ التي قرأتُها علمتني الكثيرَ، وهذا من حقي لأني إنسان وعلي أن استفيد من تجارب الآخرين الذين سبقوني، لقد تمكنت مني أو ألمت بي، حكاية الحرف، الذي يشكل الكلمة ويقف على سطح الابداع يتجادل معه.
وزيارتي للغالية إيران قد سلحتني بقدر فعالية الأنا التي تريد أن تعطي دون مقابل، فأصبحت كلوحة بيضاء يفلش على سطحها أشياء صغيرة من ضجيج خفاق ناعم فتصبح كلغز الموناليزا..
لبنى مرتضى سورية

 

1 reply
  1. غير معروف
    غير معروف says:

    كل التحايا والورد لشخصك الراقي والرائع دائما الاديبة لبنى مرتضى
    حفظكم الرحمن الرحيم وبارك بكم ورفع قدركم واحسن الله اليكم

    رد

اترك رد

هل تريد الانضمام إلى المناقشة؟
لا تتردد في المساهمة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.