, ,

فيلم «كويرس وطني الصغير» … توثيقٌ ملحميّ لبطولات الجنود السوريين الأوفياء!

جواد ديوب:

أيّ صبرٍ صبرتموه أيها الجنود الرجال؟! أي قسوةٍ وعذاباتٍ كابدتموها لتبقى سورية وطناً يليق بنا جميعاً؟! وأي نسغٍ لحياةٍ جديدة أورثتمونا إيّاها لنعيشها بكل الفخر اللازم؟!. وأي أمّ أعظم من أمّ الشهيد التي زرعت ابنها في تراب البلد وتنتظر أخاه الثاني والثالث ليعود مكلّلاً بتاج البهاء؟!.

كنت أصوغ هذه الجمل وأنا أشاهد الفيلم الوثائقي الطويل «كويرس وطني الصغير» (عُرض في دار الأوبرا بالتعاون بين وزارة الدفاع السورية واتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية، إخراج الإيراني سعيد صادقي وإعداد مرتضى شعباني) لأخفّف من مشاعري التي وصلت عتبة الألم الممزوج بدمع الفرح، فما رواه لنا بطل الفيلم الضابط «محمد شاليش» عن حصار مطار كويرس وقصص الصمود الإعجازي الأسطوري التي عاشها مع رفاقه الضباط  يمكن أن تكون قصصاً خالدة تُعاد روايتها مئات المرات كما قصص الحربين العالميتين بل تستحق أن تُجنَّدَ لها فرقٌ سينمائيةٌ وإعلامية كي توثّق وتستقصي وتعمل على إظهار تلك الشجاعات الاستثنائية لجنود الجيش العربي السوري في مواجهة آلة الإرهاب والقتل الجهنمية التي تلوّنت بمسمّياتٍ جرثومية متعددة تحت الشعار الأكثر خداعاً في العالم: الديموقراطية!.

نجح المخرج في تقديم جرعة وجدانية عالية المستوى منذ اللحظات التي هبطت فيها كاميرتُه الطائرة على مدرّج المطار ودخلت ضمن الهشيم والخراب المتبقي بعد ثلاث سنواتٍ ونصف السنة من القصف والتفجير والهجوم المتواصل الذي تنفّذه الجماعات الإرهابية على المطار وحاميته .. إذ وصلنا إلى الصقيع والزمهرير اللذين جمّدا أجساد الجنود مع انقطاع كل وسائل التدفئة الممكنة .. وتذوّقنا ملحَ القهر مع حبّات البطاطا المشوية المتبقية التي يتقاسمها جنود الجيش العربي السوري كما يتقاسمون مصيرهم وأحزانهم على رفاقهم الشهداء .. وانقبضتْ قلوبنا حزناً على من استشهدوا بطريقةٍ مرعبة .. ونزلتْ دمعة فرحٍ حاولنا بها إخفاء وجعنا ولحظات خوفنا كما فعل أولئك الأبطال وهم يلعبون كرة القدم فوق بساطٍ من الثلج ليقولوا لأنفسهم ولنا: إنْ كان الموتُ لعبةَ الأبطال؛ فنحن لها جبابرةٌ كما أرادتنا أمهاتُنا وآباؤنا، نحن لها كما يليق بوطنٍ عريقٍ اسمه سورية، نحن لها كما نحن في خيال أطفالنا الذين تركناهم آمنين في بيوتنا ينتظروننا وهم يدرّبون قلوبهم لتنبض على إيقاع معاركنا ضد أعداء الحياة.

لم يكن الجندي/الراوي «محمد شاليش» هو بطل الفيلم الوحيد كما لم تكن أسطورة «كويرس» هي وحدها التي تختزل معجزات الجيش العري السوري على امتداد الجغرافيا السوريّة، إذ إن الجنود الشباب الذين اكتشفوا نفق الإرهابيين الملغّم تحت المطار وقاموا بعمليةٍ بطوليةٍ لتفجيره قبل وصول الوحوش إليهم هم أيضاً كانوا أبطالاً رائعين، والشهداء الذين يذكرهم رفاقُهم في كلّ جملة وعند أي حديثٍ ومع كل لقمةٍ يغصّون بها، وكذلك أمّهات الجنود الصابرات المجيدات وآباؤهم المخلصون الطيّبون كلّهم كانوا خميرة الصمود التي جعلت حامية المطار تصمد 1500 يوم فاجأتِ العالمَ كلّه وأدخلت الإرهابيين المحاصرين في دوامة الرعونة والهيجان الجنوني ثم الاندحار مذلولين خاسرين مع وصول الجنود الذين فكّوا الحصار وأعلنوا انتهاء مأساةٍ سيتحدّث التاريخ عنها طويلاً.

كما استطاع المخرج بجهدٍ جبار ومونتاجٍ ذكي لمقاطع الفيديو المصوّرة بيد الجنود وتلك الفيديوهات التي نشرتها وسائل إعلام الإرهابيين أن يدمج بين الوجدانيات التي تعتمل عند شخصيات الفيلم وواقعٍ معجونٍ بالدم والعرق والوحول ولحظات الخوف القليلة التي انتابت بطل الفيلم وهو يتمنى لو استطاع النجاة باستخدام إحدى الطائرات التي تحوّلت إلى قطع خردة بعد تدميرها بـ«هاونات» الإرهابيين .. وهذا ما جعل الشريط السينمائي يصل إلى وجداننا كمشاهدين ويبتعد عن كونه فيلماً دعائياً ينتمي إلى «بروباغندا» تفخيمية أو مبالغة خطابية!.

فيلم «كويرس وطني الصغير» أنزل دمعةً من أعين كل مَنْ شاهده، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى دموع فرحٍ وأملٍ عنيدٍ بأنّ بلداً أنجبَ أولئك الجنود السوريين الأوفياء لا بدّ باقٍ ما بقيتْ هذه الأرواح فينا.

المصدر: تشرین

0 الردود

اترك رد

هل تريد الانضمام إلى المناقشة؟
لا تتردد في المساهمة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.