, ,

كنت في ايران (١٣)

بقلم ليلى صعب

الوقت يمر مسرعا ..اشعر أني في حلم ينقضي بسرعة ..وهذه الساعات المسروقة من عمر الزمن لن يبقى منها سوى شريط الذكريات …
ايام مرت لم اشعر بالتعب ولم افقد الحماس ،اليوم مخصص كي نقضيه في رحاب جامعة الفردوسي في مشهد وباعتبار أن المقام كان قريبا جدا من الفندق فلم تتح لنا فرصة رؤية المدينة ، لذا تعمدت ان اتناول فطوري باكرا ، واردفه بفنجان النسكافيه الفاخر الذي يشبع حاجتي للكافيين ويبقي حواسي مستنفرة لالتقاط ابسط التفاصيل …
بدا العد التنازلي وشارفت الرحلة على النهاية …
اخذت مكاني في المقاعد المتقدمة للباص حتى اكون قريبة للشباك الامامي ..فاشاهد الصورة كاملة للمدينة التي تلبس ثوب المهابة والقداسة …انظر الى ابنيتها المتحلقة حول مرقد الامام الرضا عليه السلام فيخيل لي انني استمع الى جدرانها تحكي قصة حضارات تعاقبت عليها ، ويخيل الي اني اشاهد القامات الفكرية والادبية والسياسية وعلماء الكيمياء والطب والهندسة التي قدمتها مشهد للحضارة الاسلامية والانسانية والتي كان اسمها ( طوس ) ويحضرني نصير الدين الطوسي ونظام الملك أحد اعمدة الدولة السلجوقية و الذي ناغم بحنكته بين السلاجقة والخليفة العباسي ونظم الادارة وترتيب الحكم ..وقد مر بي كتابه (سياسه نامه )في يوم ما .
أسمع اهات المدينة التي اجتاحها المغول في القرن الثامن الهجري، فقضوا على كل مظاهر العمران فيها واضحت اثرا بعد عين ، ولم يبق فيها الا مرقد الامام الرضا ، فاحتمى من بقي من أهلها فيه والتجؤوا اليه ، وشكلوا نواة المدينة الحالية التي اصبحت “مشهد” اليوم .

كل هذه الافكار تنتابني وانا انظر الى ابنيتها وشوارعها المنظمة ..وروح الحياة والفن فيها ، واحاول رسم صورة ذهنية للجامعة والتي تحمل اسم شاعر ايران المجيد “الفردوسي” صاحب ” الشاهنامة” الملحمة التي تذكر مع “الالياذة” وتكاد تنافسها وتضم أكثر من ستين الف بيت من الشعر أطلق فيهم الفردوسي العنان لمخيلته في تصوير بطولات الايرانيين ..وتغنى بامجاد اجداده الفرس ، وللأمانة اقول أني اول ما قرأت عن الفردوسي وانا في الجامعة انه كان شديد التعصب لقومه شعوبيا تجاه العرب ، لكن أحدا لا ينكر تميزه واعجابه بتحفته الادبية الباقية حتى اليوم ، انطلاقا من هذه الخلفية التاريخية لا استغرب ان يسمى معقل من معاقل العلم الراقية باسمه .
تعد مشهد مدينة بارزة في التعليم العالي ،اذ تأسست جامعة الفردوسي عام 1949تحتوي على كليات العلوم الانسانية والرياضيات والطب والعلوم الطبيعية والهندسة وقد تم فصل الاختصاصات الطبية عام 1989لتشكل جامعة مشهد للعلوم الطبية .

تعتبر جامعة فردوسي الیوم الجامعة الثالثة علی مستوی إیران من حیث القِدَم بعد جامعتي طهران وتبریز ، وهي تجتاز الآن السنة السبعين من نشاطها . واستناداً إلی التوقّعات ، فإن هذه الجامعة ستغدو في العام ۲۰۲۰ إحدی أفضل جامعتین في البلاد علی صعید الإنتاج العلمي والتنظیر و التطور التقني . کما تشیر هذه التوقعات إلی أن جامعة فردوسي ستحتل مکانة مرموقة بین الجامعات العشر الأوائل في العالم الإسلامي کما ستأخذ مکانتها کجامعة ذات هویّة إسلامیة – إیرانیّة بین ٥۰۰ جامعة ممتازة في العالم . وتعتبر هذه الجامعة الیوم من أفضل جامعات البلاد وأکبر مرکز للتعلیم العالي في شمالي شرق إیران لأنها تضم اثنتي عشرة کلیة و ثمانیة وثلاثین مرکزاً للبحوث وسبعة أقطاب علمیة و ۸۰۰ عضو في هیئتها التدریسیة التي یشکّل الأساتذة المساعدون والأساتذة ٥۰ % منها ، کما تضم أکثر من ۲٤ ألف طالب ( ۱۱٦۰٦ في مرحلة البکالوریوس و ۸۳۲۹ في الماجستیر و ٤۲٤۸ في مرحلة الدکتوراه التخصصیّة ) و ۱۷۰۰ خبیر وموظّف .


وتحمل جامعة الفردوسي الکثیرَ من المفاخر الوطنیة والدولیّة ، ومنها : تصنیف هذه الجامعة باعتبارها في قائمة الجامعات المؤثرة في العالم والتي تبلغ نسبتها ۱% وذلک في العام ۲۰۱٥ ، و تصنیف اثنین من أعضاء الهیئة التدریسیة في هذه الجامعة في عداد النسبة الأفضل والبالغة ۱% من العلماء والنخب العلمیة في العالم في عام ۲۰۱٥ ، و نیل الرتبة الوطنیة الثانیة علی مستوی الانترنت استناداً إلی تصنیف مؤسسة سایماغو الدولیة في العام ۲۰۱٤ ، و الحصول علی الرتبة الثالثة في إیران والخامسة والتسعین في آسیا علی أساس نظام التصنیف المعتمد لدی منظمة ICU سنة ۲۰۱٥ ، و نیل الرتبة الرابعة في المسابقات الطلّابیة ACM في غرب آسیا سنة ۲۰۱۲ ، و نیل المرتبة الأولی في الألمبیاد الدولي للکیمیاء في العام ۲۰۱٤ ، و تواجُد مقالات أحد أعضاء الهیئة التدریسیة لجامعة الفردوسي باعتبارها أکثر المقالات التي تمّ الاستناد إلیها في ISC للعام ۲۰۱۲ وما إلی ذلک من مفاخر وإنجازات .
طبعا كل هذه المعلومات زودنا بها الاساتذة ومدير الجامعة الذين التقيناهم عند الباب الرئيسي …واستمتعنا ونحن نقطع حدائق الجامعة المتميزة والتي بدت واسعة انيقة منظمة ، كنت اتخيل كيف ستبدو في فصل الربيع اذا كانت بهذا الجمال شتاء،
وصلنا الى قاعة الاجتماعات وبعد تبادل كلمات الترحيب المعتادة ، كنت سعيدة ان الجامعة قد وثقت صلاتها بالجامعات السورية ووقعت اكثر من مذكرة تفاهم ، ومنها جامعة حماة ، وكنا نشاهد صور زملائنا من الجامعات السورية الذين سبقونا في الزيارة ،والعلم السوري يزينهم على شاشة العرض ، التي قدمت موجزا عنن الجامعة ، وما زاد سعادتي وجود عدد من الطلبة السوريين الدارسين بالجامعة شاركونا الاجتماع ، وكلهم ممن اثنى عليهم اساتذتهم لجدهم واجتهادهم ،

أدّت أهمیة جامعة الفردوسي ودرجتها العلمیة المرموقة
إلی اجتذاب الکثیر الطلّاب غیر الإیرانیین والمسلمین بشکل خاص للدراسة في هذه الجامعة ، بحیث یبلغ عدد الطلاب غیر الإیرانیین الدارسین في هذه الجامعة في العام ۲۰۱٥ ، ۱۰۲۱ طالباً في کلیات جامعة الفردوسي بمشهد . و یترکز أولئک الطلبة في فروع الهندسة المعماریّة ، والعلوم السیاسیة ، والعلوم الاقتصادیّة – الاقتصاد التجاري ، و الجیولوجیا، والقانون، والمحاسبة،واللغة والأدب الفارسي،والهندسة الکهربائیّة،واللغة والأدب العربي.
ومعظم هؤلاء الطلّاب هم من البلدان المسلمة المجاورة والبلدان الآسیویّة مثل أفغانستان ، وطاجیکستان ، والعراق ، وسوریة ، وآذربایجان ، والیمن ، وباکستان، وترکمانستان ، وکوریا الجنوبیّة و غیرها . ویبلغ عدد الطلاب الأجانب المنشغلین بالدراسة في مرحلة الدکتوراه خمسین طالباً ، واثنین في مرحلة الدکتوراه المهنیّة ، و٥۰۸ في مرحلة الماجستیر و ٤٦۱ في مرحلة البکالوریوس . کما تضم کلیة الهندسة في هذه الجامعة العددَ الأکبر من الطلبة غیر الإیرانیین .
المستوى العلمي المرموق للجامعة ولاساتذتهاوالتطور الكبير في الأبحاث وخاصة الخلايا الجذعية …يؤهل جامعة الفردوسي كي تكون من اهم الجامعات في العالم في وقت قريب .
انهينا الجلسة بورشة عمل مصغرة جمعت بين النخب العلمية الموجودة في الوفد من الجامعات السورية وما يماثلها في جامعة الفردوسي ، بغية توثيق التواصل ومد الجسور والتعاون بين الطرفين.
وبعد ان تجولنا في ارجاء الجامعة وكلياتها ومخابرها كانت المحطة الاجمل في متحف الجامعة الذي وثق لمسيرة انجازاتها قبل الثورة وبعدها ، واحتفظ بتفاصيل الحياة الجامعية واهمها مكتب اول رئيس للجامعة ، وصور طلابها الذين ساهموا بالثورة واستشهدوا من اجلها ، وهاهي تضحياتهم تثمر رقيا وتطورا علميا فيكل المجالات .
أمضينا يوما جميلا ..وشهدنا الطلاب والطالبات بارقى صور طلاب العلم ،وهم ابعد ما يكونون عن العقد والتعصب الذي يحاولون الصاقها بهذا المجتمعالمتحضر ،
اقول وانا اكتب ملاحظاتي بعد عودتي وايران تحتفل باربعين عاما على ثورتهاالمباركة ،أشعر بالفخر بتجربتها ، وبالحقد على كل محاولات التشويه والتضليل ، وانا مطمئنة تماما ان هذا البلد الذي يتخذ من العلم اداة للتغيير واجتياز المراحل الصعبة لاريب سيفوز ..وينتصر ..وبه سيقوى محور المقاومة في مواجهة قوى البغي والاحتلال .
غادرنا رفقة ابنائنا من طلبة الجامعة السوريين ..كنا فخورين بهم وسعداء بزيارة صرح علمي هو الوجه الحقيقي لمدينة “مشهد” بعيدا عن كل ما يروج عنها من افكار منحرفة فردية يروجها المحتوى الرقمي الذي تديره قوى الشر .
لذا ارجو من كل من يزور ايران ان يكتب عنها ..فهذا سيجعل للمعلومة الحقيقيةوجود لمن يبحث عبر الانترنت .
يوم جديد ينقضي …وونهاية الرحلة تقترب …اشعر باني اودع مكانا ساشتاقه كثيرا .
ساحدثكم في المرة القادمة عن جولتي في السوق في مشهد وتماسي مع الناس مباشرة بدون صفة رسمية .

0 الردود

اترك رد

هل تريد الانضمام إلى المناقشة؟
لا تتردد في المساهمة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.